فنون وأدب

مؤتمر «خمس سنوات على الثورات العربية»: الربيع العربي أطاح الركود بسلمية الشباب في بداياته

افتتح في الجامعة الأميركية ببيروت، وبالتعاون بين معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مؤتمر: «خمس سنوات على الثورات العربية: عسر التحول الديمقراطي ومآلاته»، واستمر ثلاثة أيام وشارك فيه نخبة من الباحثين العرب والأجانب، في محاضرات وجلسات بحثية متعددة، فضلاً عن حلقة نقاشية مع شخصيات شابة ساهمت في الثورات.

ألقى كلمتي الافتتاح كل من طارق متري عن معهد عصام فارس ومحمد المصري عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

ركز متري في كلمته على روح التعاون والتفاهم بين المعهد والمركز، قبل أن يقدم إطلالة على آليات إعداد برنامج المؤتمر الذي لم يأت من أفكار مسبقة، بل من خلال الأوراق التي اختيرت من بين مساهمات كثيرة وصلت المؤتمر. وأشار إلى ما طلب من مساهمات إضافية، لتغطية ما ترك من فراغات، بحيث كان هناك حرص على تغطية جغرافيا الثورات العربية وتأكيد على نقاش التحول الديمقراطي من دون فرضيات مسبقة، بعد 5 أعوام على الثورات العربية.

أشار متري إلى أهمية نقاش تعريفات التحول الديمقراطي والتباساته وسياقاته في بلدان متميزة، وصفها بأنها تضفي صفة الموروث على الحديث. كما أشار إلى سعي المؤتمر إلى تعزيز روح التأمل الهادئ في دوافع التحول والعوائق التي وضعت في طريقه، ولاحظ أن الأوراق لم تجازف في الحديث عن المآلات وحاذرت أن تقع في القراءة القيامية لاضطرابات لم ينجل غبارها، على الرغم من أن هذه الأوراق لم تخف انحيازها للثورات. ولفت متري إلى ما في البرنامج من أولوية للداخلي والاقليمي على الدولي، دحضاً للمزاعم بأن مصائرنا يصنعها الآخرون، «فمعظم الأوراق تنكب على فهم أوضاع بلداننا في جوانب ثلاثة، هي: ما خلفه الاستبداد من خراب وعنف، والمشكلات البنيوية في بلداننا خصوصاً تأجيج العصبيات من دون الوطنية، وإدارة المرحلة الانتقالية نفسها».

أما محمد المصري منسق لجنة المؤتمر العربي في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات فاعتبر عام 2011 تاريخياً، «إذ أطاح مقولات الركود والاستثناء وعدم انخراط الأجيال الجديدة وسواها الكثير من الموروثات والمسلمات». كما أشار إلى أن ثورات 2011 أذهلت العالم والمراقبين والسياسيين في رقيّها ونجاح سلميتها في أكثر من موضع، في إدخال الأنظمة في مأزق وتحقيق أهداف المواطنين، على الرغم من بعض الفشل الناجم عن عنف الأنظمة المفرط.

ورأى المصري أن عام 2011 انفجار كبير، جدير بأن يكون خلفية لإعادة قراءة المجتمع والسلطة والعلاقات المحلية وسوى ذلك في ضوئه. ورأى أن المؤتمر هو بمثابة تأكيد على أن مرحلة تاريخية جديدة في طور التأسيس من منطلق الانحياز للانسان ورقيه وسيادته، ومن منطلق دولة المواطنة وحق المواطن في الحرية والرفاه والاستقرار.

وأشار في النهاية إلى ما كان المركز بدأه في مشروع توثيق الثورات في عشرات الكتب والمقالات، ليختم بشكر مركز عصام فارس على حسن تعاونه.

بعد الافتتاح، قدم المصري عرضاً سريعاً لما توصل إليه المؤشر العربي الذي يعده المركز (أشرنا له في عدد أول من أمس).

بدأت بعد ذلك جلستان متوازيتان، الأولى هي الحلقة الأولى من عنوان «الثورات العربية بعد 5 سوات؛ إعادة قراءة وطرح أسئلة»، فيما جاءت الثانية بعنوان «حركات الاحتجاج في سياق الثورة العربية».

ترأس الجلسة الأولى وجيه كوثراني، وشارك فيها مولدي الأحمر من تونس ببحث عنوانه «الثورة التونسية والتحوّل الآخر: الموارد والاعتبارات والقيم«، قارن فيها بين مفهوم الحالة الانتقالية في الكيمياء والعلوم السياسية.

ففي الكيمياء، يشير هذا المصطلح إلى سلسلة عمليات تسير سببياً مفضية إلى وضعية جديدة إيجابية لا تترك إمكاناً لفكرة التراجع. أما في العلوم السياسية، فثمة إحتمالات للنكوص والثورة المضادة، واحتمال ألا تؤدي الحالة الانتقالية إلى الديمقراطية، واحتمال قيام حالة كيفية جديدة. ورأى المولدي أن البحوث التي تتناول الحالة الانتقالة أقرب إلى الغوص النظري لا الاجتماعي، بحيث تفقد حالة منهجية هي حلقة التفكير بالانتقال في حد ذاته، بخلاف الوضعية التي يتم الانطلاق منها والوضعية التي يتم التوصل إليها.

وكان بحث المولدي حصيلة بحث ميداني أجراه في 2012 في المناطق التي انطلقت منها الثورة التونسية. وتوصل إلى قراءة معاني مفهوم الانتقال وأزمنته.

جاءت المساهمة الثانية من دينا الشرنوبي من مصر، بعنوان «ثورة مصر وأثرها في تكوين ذوات شابة جديدة»، ألقتها بالإنجليزية، وعرضت فيها سؤال البحث: «ما الذي فعلته انتفاضة 2011 في الشباب الثائر في مصر؟»، حيث تعتبر الثورة حدثاً يؤدي إلى قطيعة تطلق إلى بدايات جديدة، تعيد إنتاج الالتزامات.

وفي عرضها منهجية البحث، أشارت الشرنوبي إلى أنه جرى في 2011، من خلال مقابلات مع شباب وشابات شاركوا في الثورة، فضلاً عن أبحاث جرت في عامي 2014 و2015. ولفتت إلى إمكان قيام تعريفات عدة للشباب بحسب العمر والفئة الاجتماعية والجيل وصفاته. كما عرضت مراحل استيقاظ الشباب على السياسة في مصر، وبداية أول حركة شبابية مستقلة في 2008، بينما كانوا قبل ذلك يلتحقون بأحزاب الكهول.

انتقلت الشرنوبي إلى عرض المفهومين الأساسيين في موضوعها: الأول هو اعتبار الثورة حدثاً يفتتح أو يدشن ليطلق أدواراً جديدة ومشاعر جديدة ولاعبون جدد وممارسات سياسية جديدة وتعابير جديدة عن الحقيقة وتجارب تنازع الوضع الراهن وتخلق إمكانات جديدة وقلقاً جديداً. وأما الثاني فهو مفهوم أقوال الحقيقة أو إعلاناتها، حيث يدفع الحدث مجموعة جديدة من الأقوال أو الخطابات تشير إلى المقصيين والمهمشين، وتحسر الهوة بين الماضي والمستقبل وتعرف الذات، قبل أن تختم بأمثلة عديدة عن أقوال الحقيقة وخطاباتها.

جاءت المداخلة الثالثة بعنوان: «الربيع العربي والتحول الديمقراطي: ملاحظات حول التجربة الليبية»، لمصطفى التير، عرض فيها تطورات ما جرى في ليبيا من خروج الشباب ثم الكبار، ورد النظام العنيف على نحو يختلف عن تونس ومصر، مع إشارة إلى أن الثورة الليبية لم تكن صناعة ليبية خالصة.

وتساءل إزاء ذلك: هل تندرج هذه الخطوات كلها في إطار التحول الديمقراطي؟ هل تكفي لاستنتاج أن الطريق بات معبّداً أمام الشعار الشهير الذي رفعه الشباب؟ يشير التير إلى متغيرات كثيرة عرقلت المسيرة، أهمها الميليشيات وتغولها، وتكاثر الاشتباكات المسلحة، وعرض دراسة إمبريقية محلية قصدت ما سبق الشارة إليه.

الثورة السورية

كانت الورقة الأخيرة مع حمزة المصطفى، بمداخلة عنوانها: «الثورة السورية من المدنية إلى النزاع المسلح»، أشار فيها إلى حيرة المراقب في توصيف حصيلة 5 سنوات من الثورة السورية، حيث نجد أنفسنا أمام نظرات عديدة إلى الحدث، وكل له ما يبرره. فثمة من يراها ثورة، ومن يراها حرب أهلية طائفية، وأزمة جهادية، وساحة صراع إقليمي مع تدخلات مباشرة، وأزمة دولية ذات شقين، أولهما اللجوء والثاني التدخل العسكري.

تساءل المصطفى: ما العوامل التي أوصلت الثورة إلى هنا وجعلتها ثورة بلا منجز، على الرغم من استمرارها؟ بمعنى آخر، كيف نوصف انتقال الثورة السورية من السلمية الى المسلحة؟ وعرض عدداً من محاولات الاجابة، كالمحاولة الأنثروبولوجية التي تجد الثورة السورية ثورة أرياف وفقراء مهمشين، تقطع الطريق على المدينة بالعنف، ما يجعل التمرد سبباً للعنف والسلاح، والمحاولة التي ترد هذا التحول إلى عنف النظام المفرط، الذي يماهي بينه وبين الدولة، وبينه وبين فئات من المجتمع، ما يجعل إسقاطه يعني تفكيكاً للمجتمع وإسقاطاً للدولة.

ورأى الباحث أن اتباع عنف سياسي يستبطن العنف الطائفي كان سياسة اتبعها النظام طلباً لمزيد من العنف والتمرد المسلح، الذي يؤدي إلى زج الجيش ويبرره. ورأى أن النظام هو المسؤول الحقيقي والأول عن العنف، على الرغم من وجود أسباب عدة أخرى، مثل النخب المعارضة المأزومة، وعدم ردع النظام بتدخل خارجي، وغياب سلطة الدولة عن كثير من المناطق وما أثاره ذلك من فوضى وعمليات إجرامية.

الاحتجاج في العراق

أما الجلسة الثانية الموازية، فقد رئستها مارلين نصر، تحدث فيها حيدر سعيد من العراق عن «حركات الاحتجاج في عراق ما بعد الاستبداد: تحدي الدولتية«، متابعاً موجات الحركة الاحتجاجية التي اندلعت في العراق بعد الاحتلال الأميركي وسقوط نظام صدام حسين في عام 2003.

بحسب سعيد، تنجح حركات الاحتجاج في إحداث تغيير سياسي في حال نجح المكون السياسي، الذي ينادي عادةً بالحريات السياسية والديمقراطية وتداول السلطة، بدمج المكون المطلبي داخله. فنجاح ثورتَي تونس ومصر تحقق بسبب النجاح في دمج هذين المكونين، وهذا ما لم ينجح فيه ناشطو المكون السياسي في الحركة الاحتجاجية في العراق. وقال إن نوري المالكي قاد الاحتجاجات لبناء دولته الديكتاتورية.

والجزائر

وفي درسه الخوف من التغيير السياسي في الجزائر، يحاول عبد الناصر جابي من الجزائر معرفة الصعوبات التي تواجه التغيير السياسي في الحالة الجزائرية التي عرفت كيف تتجنّب موجات التغيير العربي العاتية في سنة 2011.

ويقول الجابي إن 700 ألف جزائري خرجوا في تظاهرات احتجاجية في 2015، لكن النظام كان عصياً على التغيير من الداخل، والضغط الخارجي فشل في إحداث التغيير المأمول، كما فشلت الآليات التقليدية في التغيير، لأن الدولة العميقة موجودة وقوية.

الحراك الكويتي

وتناول الدكتور عبد الهادي العجمي من الكويت، في ورقته «الحراك الكويتي والربيع العربي – ديناميك الإيحاء الجمعي والخروج من البراغماتية«، مدى تأثّر الكويت بالإيحاء الجمعي لحراك دول الربيع العربي، وأسبقية الحراك الكويتي على حالة الربيع العربي. وقدم في ورقته فرضية أنّ الحراك السياسي في الكويت خسر الكثير على المستوى الفعلي والواقعي، نتيجة لآثار الربيع العربي الإيحائية التي قادت إلى ارتفاع سقف المطالب مدعومة في فترة من الفترات بالنجاحات التي يحقّقها الربيع العربي.

ولبنان

وختاماً، تناولت كارمن جحا من لبنان في ورقتها «أخطبوط الطائفية: ديناميكيات التعبئة والشرذمة في نظام تقاسم المحاصصة الطائفية اللبناني«، بالانجليزية، التحديات التي تعترض التعبئة الجماهيرية في مواجهة حركات الاحتجاج غير الحزبية؛ أي الحركات التي لا تقودها أو تنظمها الأحزاب أو الائتلافات السياسية.

وقالت جحا إن القادة السياسيين في لبنان يستخدمون نظام تقاسم السلطة للحؤول دون تعبئة الجماهير خارج الاطر الحزبية، وإن المؤسسات الرسمية اللبنانية ضعيفة نتيجة غياب سلطة القضاء والمحاسبة، وحضور الزعماء القوي، وإن الحركات الشعبية خاضعة لمجموعات سياسية تحركها من خلف الستار.

زر الذهاب إلى الأعلى