كتابات

” الدب ينسحب ” روسيا

بوتين شخص غامض، لا يرفع عينيه إلى محدثيه، ربما كي لا يلمحوا بقايا أسرار الـ»كي جي بي»، في عيني رجل المخابرات الروسية السابق.

جاء بوتين إلى سوريا سريعاً، ومثل دب هائج صال وجال، وخلّف في سوريا أكثر من «غروزني»، وأكثر من «شيشان»، وسط تصفيق إيران وعربها، وسكوت مهين من أوروبا وأمريكا. سياسة «المسح السجادي» نفذها الدب العائد إلى المنطقة التي يحملّها المسؤولية عن انهيار امبراطورية البلاشفة السوفييتية في أفغانستان.
عاد رجل المخابرات إلى الشرق الأوسط، محملاً برغبات مختلفة في الانتقام والتحدي والاستحواذ والسيطرة، ومدفوعاً بتاريخ إمبراطوري مهيب. وكدُبٍّ وُضع في حلبة، برزت له مجموعة من الأشباح يطاردها، لا هو هزمها (لأنها أشباح)، ولا سلم الجمهور حول الحلبة من نزقه وطيشه. تعب الدب، أو رأى ملامح أفغانستان جديدة تحبكها له «جوقة المصفقين» الماكرة على جانبي الأطلسي. قرر قراراً مفاجئاً سحب معظم قواته من سوريا، التي جاء إليها رافعاً مجموعة من الأهداف المعلنة والخفية، في مقدمتها «القضاء على بنية الإرهاب»، ودعم نظام حليفه بشار الأسد.
سحب الدب ذيله من سوريا، والمنظمات «الإرهابية» التي جاء للقضاء عليها، تعيد تجميع صفوفها، وتستعد لجولات مقبلة، بينما نظام حليفه بشار الذي حقق تقدماً عسكرياً ملموساً بغطاء جوي كثيف خلال الشهور الأخيرة، هذا النظام يخشى من عودة مقاتلي المعارضة إلى المناطق التي خسروها. أما بوتين فقد قرر بهدوئه المعهود أن الحملة العسكرية الروسية قد «أنجزت معظم أهدافها»، بدون أن يذكر كيف تم ذلك الإنجاز. يصعب فهم سلوك الدببة أحياناً، مزاجها النفسي يستعصي على التحليل. خروج بوتين من سوريا في هذا التوقيت كان صعب التفهم. اختلفت الآراء في تفسير هذا الخروج، لكن الكل أجمع على أن قرار الانسحاب كان مفاجئاً. الـ»بي بي سي» تحدثت عن عدة عوامل وراء الخطوة المفاجئة، ومنها تكلفة الحملة الباهظة على موسكو، وذهبت مراسلتها في موسكو سارة راينسفورد تتحدث عن «تدهور أسعار النفط، ورغبة موسكو في كسر عزلتها الدولية، ورفع العقوبات الغربية» المفـــروضة على خلفية الصراع في أوكرانيا. جاء الدب إلى سوريا لفك عزلة موسكو، وللبحث عن جو دافئ بعيداً عن ثلوج سيبيريا، وها هو اليوم يخرج – جزئياً – من سوريا بحثاً عن جو أكثر دفئاً مع الغرب، حسب الصحافة الغربية. تدخلت روسيا في سوريا لكسر عزلتها، وخرجت لكسر عزلتها كذلك.
الأمريكان دائماً يتروون في التعليق على خطوات الروس، ولذا أطل علينا متحدث باسم البيت الأبيض قائلاً، «سوف ننتظر لنعرف حقيقة نوايا الروس من هذه الخطوة». على الجانب السوري، بدا واضحاً ارتياح أوساط المعارضة للقرار الروسي، القرار الذي بلا شك سيمكنها من إعادة ترتيب صفــــوفها ميدانــــياً وسياسياً، والأهم من ذلك أن المدنيــــين سيتنفسون الصعداء بانخفاض عدد الطلعات الجوية الروسية، التي خلفت كوارث لم يشهد لها تاريخ السوريين مثيلاً.
أما بالنسبة للنظام، فهناك موقفان: الموقف الرسمي الذي جاء مغلفاً بالدبلوماسية، حيث نفى متحدث رسمي إن يكون هناك أي خلاف بين النظام وموسكو، وأن سحب بعض القوات جاء بالاتفاق مع النظام، خلال اتصال هاتفي بين الأسد وبوتين. لكن صفحات مؤيدي النظام على كافة مواقع التواصل ضجت بالكثير من التعليقات التي تراوحت بين الغضب من الخطوة الروسية، والشعور بخيبة الأمل إزاءها، بما يعكس ـ بشكل حقيقي – ما لم يقله النظام في دمشق بشكل واضح.
الإيرانيون غالباً يقولون عكس ما يعتقدون، ولذا رحبوا كذلك بالخطوة التي قال وزير خارجيتهم جواد ظريف إنها ستسهم في إيجاد حل سلمي للأزمة في سوريا. الإيرانيون ومسؤولو النظام السوري سعوا حثيثاً، وهللوا للتدخل الروسي، ويريدوننا أن نصدق أنهم يهللون كذلك للانسحاب! ليلة أعلن بوتين سحب الجزء الأكبر من قواته من سوريا، كان مجتمعاً بوزيري الدفاع والخارجية، أمر الأول بسحب القوات، ووجه الثاني بالتركيز على المفاوضات والحل السلمي.
نقل بوتين للمهمة الروسية في سوريا من وزير الدفاع إلى وزير الخارجية، يؤشر إلى تغير في الاستراتيجية الروسية في سوريا، بالانتقال تدريجياً من «منطق الرصاصة» إلى «حوار الطاولة»، وهذا بالطبع ما لا يريده النظام، الذي حقق له التدخل الروسي حلاً عسكرياً مريحاً، جعله يتصلب إزاء المفاوضات، ودفع وزير خارجيته وليد الملعم للتصريح بأن «الأسد خط أحمر»، الأمر الذي أغضب حلفاءه الروس، الذين أرادوا الضغط عليه للدخول في مفاوضات، ربما تكون نتيجتها رأس الأسد في المحصلة النهائية، وهو ما يحاول النظام تفاديه بكل الوسائل الممكنة. وفوق ذلك، ومع أن الدب قد يكون أعمى إلا أنه يعرف كيف يفتح عينيه عند «عقد الصفقات»، وموسكو التي تحكمها «هوامير الفساد والمافيا والكي جي بي»، يمكنها أن تعقد صفقة، بدون أن يعلم أحد حتى هذه اللحظة ما هي التفاصيل. كل ما نعرفه أن وزير الخاريجة العراقي الأسبق طارق عزيز قال إن الروس باعوا العراق بأربعة مليارات دولار، على أيام الرئيس الراحل صدام حسين.
بقي أن نشير إلى أن الاستعدادات لجولة المفاوضات تجري بشكل متواصل، وأنه بات واضحاً أن الحل في سوريا هو حل سياسي، بعد عجز قوات النظام، ومليشيات حزب الله، والمليشيات العراقية، والشيعة الأفغان والإيرانيين والروس عن الحسم العسكري، وأن ملامح هذا الحل تتشكل في المآلات بعيداً عن رئيسه بشار الأسد، الرجل الذي سيكتب تاريخ المنطقة أنه دمر دولته، وهجّر شعبه، وجلب مليشيات طهران إلى بلاده التي تحتاج فترة طويلة لكي تتعافى اجتماعياً وإنسانيا وسياسياً ومادياً.

زر الذهاب إلى الأعلى